الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة بين كوميديا الموقف وتراجيديا الواقع: حين تروي "المجيرة" حنان الشقراني وجع البسطاء

نشر في  06 فيفري 2026  (17:14)

حين يقرر الممثل التخلي عن المنطقة الآمنة خلف الشاشة أو ضمن البطولات الجماعية، ليقف وحيدا في مواجهة الجمهور عبر عرض "الوان مان شو" ، فإنه لا يقدم عرضا مسرحيا فحسب، بل يضع تاريخه الفني بالكامل على المحك. هذا بالضبط ما فعلته حنان الشقراني في سهرة الثلاثاء، 3 فيفري 2026، بالمسرح البلدي بالعاصمة، حيث تغلبت أخيرا على كل تردد، ووقعت أمام جمهور غفير من الإعلاميين والفنانين والممثلين، شهادة ميلاد أول " وان وومن شو" في مسيرتها بعنوان "المُجيرة: بنت الحي". العمل من إنتاج شركة "واب للإنتاج"، ونص مشترك بينها وبين أوس المسعودي، وتوقيع إخراجي لوليد الزين.

 لم يشأ المخرج وليد الزين أن يكون دخول الشقراني كلاسيكيا، فاختار توريط الجمهور منذ اللحظة الأولى، إذ انطلق العرض من الصالة لا من الكواليس، في كسر مباشر للجدار الرابع. هذه "المصافحة الأولى" لم تكن مجرد حركة إخراجية استعراضية، بل دلالة سيميائية توحي بأن "حنيّنة" (الشخصية المحورية) هي صوت من بين الجالسين، تشبهنا ونشبهها، فهي فتاة تونسية خرجت من رحم المعاناة اليومية لتروي ما لا يُقال وتكشف المستور.

تدور أحداث المسرحية حول شخصية "حنيّنة"، تلك الفتاة البسيطة المنحدرة من حي شعبي، والتي تقرر خوض تجربة التمثيل من خلال بوابة "الكاستينغ". لكن هذا الاختبار الفني لا يظل مجرد تجربة أداء تقنية، بل يتحول إلى منصة لاسترجاع شريط حياتها الحافل بالانكسارات والآمال، ورحلة استبطان عميقة تروي فيها تفاصيل حياتها المليئة بالمتناقضات.

بمرارة ممزوجة بالسخرية، تروي "حنيّنة" تفاصيل رحلتها بأسلوب كوميدي، متطرقة إلى ظواهر اجتماعية حارقة، بدءا من الاستغلال الذي تتعرض له الفتيات أثناء البحث عن عمل، وتحديدا عند خوض تجارب الأداء، وصولا إلى تعقيدات العلاقات العاطفية والزوجية. كما تغوص المسرحية في تفاصيل "الأفراح التونسية" وضجيج الأحياء الشعبية، لتطرح سؤالا جوهريا حول الهوية والأصل، وضرورة عدم نكران الذات أو المنشأ حين تتغير الظروف المادية والاجتماعية. عموما، جاء النص الذي تشاركت الشقراني كتابته مع أوس المسعودي محملا بشحنات عاطفية صادقة، لامست الواقع التونسي بكل تناقضاته، محاسنه وسيئاته.

وفي نقد اجتماعي ذكي، تناولت المسرحية تلك "الطيبة" الفطرية التي تتحول أحيانا إلى سذاجة، أو كما عرفتها "حنان" بـ "البهامة"؛ وهو ما دفعها في لحظة تمرد فكري إلى اقتراح إنشاء حزب سياسي أسمته "حزب البهايم"، في إشارة رمزية لاذعة لاستغلال الأحزاب السياسية لسذاجة المواطنين وبساطتهم وحالات الخصاصة. كما امتد مبضع النقد ليشمل الجمعيات الخيرية الممولة من جهات مجهولة، وصولا إلى "إعلام البوز" الذي يقتات على مآسي الشوارع، معلنة انحيازها التام لوفاء الأصدقاء كقيمة وحيدة متبقية في عالم يغدر بالبسطاء.

اعتمدت الشقراني في مسرحيتها على تقنية "المخاطب الغائب" عبر مخاطبة صديقتها الافتراضية "فوفا"، وهو خيار درامي، وإن كان كلاسيكيا في نصوص المونودراما، فإنه منح الممثلة مساحة للبوح، محولة الخشبة إلى غرفة اعتراف واسعة.

 أول ما لاحظناه أثناء مشاهدة "المجيرة: بنت الحي" هي الكاريزما العالية التي تمتعت بها حنان الشقراني، فقد أثبتت وهي خريجة المعهد العالي للفن المسرحي، أنها تمتلك أدواتها كممثلة قادرة على التلون بين الكوميديا السوداء والتراجيديا الموجعة، حيث جسدت "حنيّنة" بكل تناقضاتها: من الفتاة البسيطة ضحية التنمر، والعاشقة الخائبة، والمواطنة المطحونة ماديا، إلى "حنيّنة" الثرية المنتقمة من كل شخص سبب لها الأذى النفسي والمعنوي.

من المعلوم أن الجمهور شريك استراتيجي في "ولادة" أي مسرحية جديدة، ولعل ما زاد في حماس حنان الشقراني وشجعها في هذا الامتحان الأول رغم صعوبته، هو ذلك "الحبل السري" المتين بينها وبين جمهورها، فالحضور الذي غصت به جنبات المسرح البلدي لم يلعب دور المتفرج المحايد، بل منحها من خلال تفاعله وتصفيقه المتواصل وحتى حواره المباشر معها أثناء العرض، منحها جرعات ثقة فورية مكنتها من المواصلة. هذا الدعم النفسي كان الوقود الذي أوصل "المجيرة" إلى بر الأمان لحظة إسدال الستار.

من جهة أخرى، نجحت السينوغرافيا والفريق التقني في خلق فضاءات بصرية ومناخات صوتية خدمت التحولات النفسية للشخصية، حيث كانت الموسيقى شريكا فعالا في الحوار من خلال توظيف العديد من أغاني "الترند" في السيناريو، وهو ما أحسنت الشقراني استغلاله لتزيد من حماس الجمهور وتفاعله معها.

بلغ العرض ذروته التعبيرية في مشهد "العلم التونسي"، تلك اللحظة التي التحفت فيها "حنيّنة" بالراية الوطنية لتلخص معاني الانتماء والوجع والأمل. وكم كنا نحبذ لو أسدل الستار عند هذا المشهد، لأن الإطالة بعده  أضعفت قوة "القفلة"، فالاكتفاء بلحظة العناق مع العلم كان سيجعل الخروج من المسرحية أكثر تأثيرا وخلودا في ذاكرة المتفرج.

أخيرا، ولئن ألقت حمى العرض الأول (Le Trac) بظلالها على حنان الشقراني، حيث وقعت في فخ تسريع النسق متناسية أن النكتة "الفان" تحتاج زمنا لتصل، ولحظة لتُهضم، وأخرى لتُضحك، فإن هذا يُعزى إلى الإرهاق الذهني والجسدي نتيجة تكثيف البروفات يوم العرض، وهو خطأ تكتيكي كان من الأجدر بالمخرج تجنبه لفرملة هذا الاندفاع ومنح الشخصية ثقلها المطلوب.

"المجيرة: بنت الحي" عرض ولد كبيرا من حيث الطرح والمشروع، وعودة محمودة لحنان الشقراني تؤكد أنها ابنة المسرح أولا وأخيرا، هو مشروع يحتاج فقط لبعض "التشذيب" الفني ليتخلص من زوائد البدايات ويحلق في سماء الإبداع المونودرامي.

سناء الماجري